Skip to content
د. مصطفى كامل

كيف تتشكّل الشخصية التجنبية، وكيف تُعاش من الداخل

د. مصطفى كامل، معالج نفسيمُسجَّل لدى جمعية علماء النفس الرومانية، رقم التسجيل A-7729نُشر في 3 دقائق قراءة

أخبرتني امرأة في الثلاثينيات أنها لم ترفع يدها في اجتماع قط طوال حياتها المهنية، ليس لأنها لا تملك ما تقوله، بل لأنها كانت تحسب مسبقًا كل ردود الفعل الممكنة، وتصل دائمًا إلى أن أغلبها ينتهي بالإحراج، فتختار الصمت باعتباره النتيجة الوحيدة التي تستطيع تحمّلها. وقد كانت تمارس هذا الحساب منذ كانت في التاسعة من عمرها.

هذه العادة، عادة الانسحاب المسبق التي تتشكّل قبل أن يكون لها اسم إكلينيكي بسنوات طويلة، هي جوهر اضطراب الشخصية التجنبية. إنها ليست خجلًا، وليست سمة طفيفة في الطابع. إنها بنية كاملة، والبِنى تُشيَّد في مكان ما.

البيئة المبكرة التي تبني النمط

نادرًا ما يُرَدّ النمط التجنبي إلى حادثة واحدة أو عام واحد سيّئ. الأشيع أن التاريخ يتضمّن مناخًا مستمرًا من النقد أو السخرية، أو والدًا لم يُبدِ حنانه إلا حين يتفوّق الطفل، أو ثقافة أسرية تعامل كل خطأ باعتباره دليلًا على العيب في الشخصية لا مجرد حدث عابر. بعض الأطفال يواجهون هذا وهم أصلًا أكثر حساسية مزاجيًا تجاه الجِدّة والتهديد الاجتماعي، فتترك البيئة نفسها أثرًا أعمق فيهم مما تتركه في أخ أو أخت.

ما يهم إكلينيكيًا ليس شدة حادثة بعينها بل استمراريتها. الطفل الذي يُسخَر منه مرة واحدة بسبب إجابة في الصف يتعافى في أيام. أما الطفل الذي يُشعَر بهدوء، أسبوعًا بعد أسبوع، أن محاولاته أو مظهره أو آراءه مثار إحراج خفيف، فيبدأ ببناء نظرية عامة عن ذاته، لا مجرد ذكرى عن بعد ظهر واحد.

المعتقد الذي يُنظّم كل شيء

في لغة العلاج بالمخطّطات، تتبلور هذه النظرية عادة في مخطّط النقص الجوهري: القناعة بأن ثمة خللًا أساسيًا فيك، خللًا سينفّر الناس لو رأوه بوضوح. يرافقه غالبًا مخطّط العزلة الاجتماعية، الشعور بالوقوف خارج جماعة ينتمي إليها الآخرون بشكل طبيعي. وينتج عن اجتماعهما قاعدة بسيطة ومُنهِكة: لا تدع أحدًا يقترب بما يكفي لاكتشاف الحقيقة.

هذا يختلف عن تدنّي تقدير الذات بمعناه اليومي. من يعاني تدنّي تقدير الذات قد يظن أنه ليس كافيًا، ومع ذلك يقدّم نفسه، على أمل أن يُثبت خطأ ظنّه. أما صاحب النمط التجنبي فيتعامل مع المعتقد كحقيقة مستقرة، وينظّم حياته بأكملها لتجنّب اختباره أبدًا، لأن اختبارًا يؤكّده سيكون فوق الاحتمال.

كيف يبدو الأمر في مرحلة البلوغ

عند بلوغه سنّ الرشد، نادرًا ما يظهر هذا النمط كرهاب اجتماعي واضح. يظهر بدلًا من ذلك كحياة ضُيِّقت بهدوء على مرّ السنين:

  • رفض الدعوات قبل معرفة أي تفصيل عنها، تفاديًا لاحتمال الاضطرار لاحقًا إلى الاعتذار وإخيبة أمل أحد
  • البقاء في وظيفة أقل بكثير من كفاءته الفعلية، لأن الترقية تعني مزيدًا من الظهور ومزيدًا من فرص أن يُكتشف قصوره
  • الرغبة الشديدة في صداقة عميقة مع اشتراط علامات قبول كثيرة جدًا مسبقًا، بحيث لا يجتاز العتبة إلا قلة نادرة
  • التدرّب على المحادثات بتفصيل مرهق قبل حدوثها، ومراجعتها لساعات بعد انتهائها بحثًا عن كل ما قد يكون قد أخطأ فيه
  • وصف نفسه بأنه انطوائي، بينما الوصف الأصدق أقرب إلى شخص يريد التواصل لكنه قرّر أن السعي إليه أخطر من أن يُجرَّب

صاغت إحدى المراجِعات هذا في جلسة مبكرة بهذه الكلمات.

لست أتجنّب الناس لأنني لا أحبّهم. أتجنّبهم لأنني أحبّ فكرة أن أكون محبوبة، ولا أستطيع أن أنجو من اكتشاف أنني لست كذلك.

لماذا هذا ليس مجرد قلق اجتماعي

يتشابه القلق الاجتماعي والشخصية التجنبية في السلوك الظاهر، لكن المعتقد الكامن مختلف بطريقة تهمّ العلاج كثيرًا. الخوف من لحظة سيّئة ليس كالقناعة الراسخة بشأن هويتك، وهذا الفارق يغيّر ما يجب أن يحدث في العلاج قبل أن يفيد أي تمرين تعرّض تدريجي. هذه المقارنة تستحق مقالًا كاملًا في موضع آخر من هذا الموقع، فلن أكرّرها هنا سوى بالإشارة إلى أن الفارق حقيقي ويستحق أن يُفهم مبكرًا.

ما الذي يدفع الناس عادة لطلب العلاج

نادرًا ما تكون أزمة واحدة. الأشيع تراكم بطيء: عيد ميلاد يحضره كل عام عدد أقل من الناس، علاقة انتهت لأن الطرف الآخر تعب من أن يُبقى على مسافة، ترقية عُرضت ورُفضت بهدوء للمرة الثانية. كثيرًا ما يصف الناس أنفسهم بأنهم غير متحمّسين أو كسولون، بينما الوصف الدقيق هو شخص يعمل بجهد كبير طوال اليوم لمنع خوف قديم ومحدد من أن يُختبر أبدًا.

هذا النمط بُني لأسباب وجيهة، في بيئة كان فيها منطقيًا. وهو أيضًا قابل للتفكيك، وهذه معلومة مختلفة تمامًا عن الاعتقاد بأنك مصنوع هكذا وحسب. إن بدا هذا الوصف قريبًا من تاريخك الشخصي، يستحق الأمر أن تناقشه مع من يعمل مع هذه الأنماط تحديدًا، بدلًا من أن تحمل هذه النظرية عن نفسك وحدك لعقد آخر من الزمن.

هل أنت مستعد لبدء رحلتك العلاجية؟

إن وجدت في هذا الكلام وصفًا قريبًا من تجربتك، فهذه عادةً إشارة إلى أن الحديث مع مختص يستحق المحاولة. الجلسة الأولى تسير على مهل، وسرّية بالكامل، ولا التزام عليك بالاستمرار بعدها.

هذه المقالة معلومات عامة كتبها معالج نفسي، وليست تشخيصًا ولا بديلًا عن تقييم فردي. إذا كنت في خطر مباشر، تواصل مع رقم الطوارئ في بلدك.

احجز جلسة