Skip to content

ما الذي يصفه اضطراب الشخصية الهستيرية فعلاً، ولماذا لا يساعد اسمه على فهمه

د. مصطفى كامل، معالج نفسيمُسجَّل لدى نقابة المعالجين النفسيين في رومانيا، رقم التسجيل A-7729نُشر في 4 دقائق قراءة

وصفت لي زميلة مراجعة قبل أن ألتقيها بأنها مبالغة في تصرفاتها. حين جلست معها أخيراً، وجدت امرأة تعيش رعباً حقيقياً من أن الجميع سيبتعدون عنها إن توقفت عن بذل الجهد لإظهار الدفء والاهتمام. لا الوصف الأول ولا اعتبار سلوكها تمثيلاً كانا منصفين لما كان يجري فعلاً في جهازها العصبي.

التشخيص بعبارات واضحة

يصف اضطراب الشخصية الهستيرية نمطاً ثابتاً من الانفعال المفرط والسعي إلى لفت الانتباه، يبدأ في بداية مرحلة الرشد ويظهر في معظم مجالات حياة الشخص. من الناحية السريرية، هذا يعني شخصاً يشعر بعدم الارتياح، بل بانعدام الأمان تقريباً، حين لا يكون محور الاهتمام. تتغير تعبيراته عن مشاعره بسرعة وقد تبدو سطحية لمن يراقب من الخارج، ويستخدم مظهره الجسدي لجذب الأنظار، ويتحدث بعبارات تعبر عن انطباعات عامة دون تفاصيل كثيرة، ويميل إلى تصور العلاقات أعمق مما هي عليه فعلاً.

حين نقرأ هذه السمات في قائمة تبدو كأنها صورة كاريكاتورية. أما حين نفهمها كطريقة للبقاء والشعور بالأمان فتبدو مختلفة تماماً: شخص تعلّم مبكراً أن لفت الأنظار يعني الأمان، وأن غياب الاهتمام يعني الخطر، وظل يتصرف دائماً على هذا الأساس.

تاريخ قصير ومزعج بعض الشيء

يعود أصل هذا التشخيص إلى مفهوم الهستيريا، وهو تصنيف له ماضٍ مقلق فعلاً، استُخدم لقرون لاعتبار تعبير النساء عن مشاعرهن، وحياتهن الجنسية، ورفضهن الخضوع للتوقعات، مرضاً. حين حُدّثت لغة الأدلة التشخيصية في القرن العشرين، بقي كثير من الافتراضات القديمة رغم تغيير الاسم. لا يزال اضطراب الشخصية الهستيرية يُشخَّص عند النساء أكثر بكثير من الرجال، وطالما تساءل الباحثون هل يعكس ذلك فرقاً حقيقياً في الانتشار أم فرقاً في السلوكيات التي ينتبه إليها المعالجون ويصنفونها. رجل يستحوذ على اهتمام الحاضرين ويبالغ في وصف إنجازاته ويحتاج إلى إعجاب دائم كثيراً ما يُنظر إليه على أنه واثق من نفسه أو نرجسي. أما امرأة تفعل شيئاً مشابهاً فغالباً ما تُوصف بالهستيرية.

أذكر هذا التاريخ لأنه مهم لطريقة استخدام هذا التشخيص اليوم: بحذر، وليس أبداً كوسيلة لرفض شخص بحجة أنه يسعى إلى لفت الانتباه، بالمعنى المهين الذي تحمله العبارة في الحديث اليومي.

ما الذي لا يندرج ضمن هذا الاضطراب

أن تكون كثير التعبير عن مشاعرك، منفتحاً، لافتاً في تعبيرك، دافئاً، أو شديد الانفعال ليس اضطراباً. معظم من يحبون الظهور، ويبكون أمام الأفلام، ويعانقون من قابلوهم للتو، ويحكون قصصهم بكل جوارحهم، هم ببساطة هكذا بطبعهم ولا يعانون أي خلل بسبب ذلك. الفارق الذي يتدرب المعالجون على ملاحظته ليس شدة الانفعال بل الغرض منه: هل يساعد هذا التعبير على التواصل والتعبير عن الذات، أم أنه سلوك متكرر يشعر الشخص بأنه مضطر إليه تقريباً، ليتفادى شعوراً لا يُحتمل بأنه غير موجود في نظر أحد؟

  • الشخص الكثير التعبير عن مشاعره يستطيع الجلوس في غرفة هادئة دون أن يضايقه ذلك، أما من لديه هذا النمط فكثيراً ما يشعر بالتهديد في الغرف الهادئة.
  • دفء الشخص الكثير التعبير عن مشاعره تجاه معارف جدد لا يتحول عادة إلى شعور بالخيانة حين يتبين أن الطرف الآخر لا يزال شخصاً لا يعرفه جيداً ولا يبدي سوى اهتمام معتدل.
  • إحساس الشخص الكثير التعبير عن مشاعره بذاته لا يتوقف على استمرار اهتمام الآخرين به.
  • الشخص الكثير التعبير عن مشاعره يتحمّل أن يكون مخطئاً أو غير لافت أو مملاً لأمسية كاملة دون أن يصيبه ذلك بنوبة هلع.

لماذا يهم الخوف الكامن أكثر من السلوك الظاهر

من منظور التحليل النفسي، يُفهم هذا النمط غالباً كوسيلة دفاع ضد خوف قديم ومحدد من الهجر أو من تجاهل وجود الشخص وقيمته. تعود جذوره عادة إلى طفولة كان فيها الحب والاهتمام متقلبين، مشروطين بما يقدمه الطفل، أو موزعين بشكل غير عادل لصالح شقيق آخر. تساعدنا نظرية التعلق على فهم ذلك أيضاً: فالطفل الذي لم يستطع ضمان حضور من يرعاه إلا بإظهار الضيق أو التصرف بطريقة جذابة أو مبالغ فيها، يتعلم جهازه العصبي هذه الطريقة قبل أن تصبح خياراً واعياً بزمن طويل. هذا ليس غروراً، بل أقرب إلى استجابة طوارئ تعلمها الجسد، وما زال يستخدمها رغم أن الطوارئ انتهت منذ عقود.

لست أحاول أن أكون محور الاهتمام. أنا فقط لا أحتمل الشعور الذي ينتابني حين لا أكون كذلك.

لماذا يغيّر الفهم الدقيق مسار العلاج

حين نفهم هذا النمط باعتباره خوفاً لا غروراً، تصبح مهمة العلاج واضحة: تنمية القدرة على تحمل أن تكون عادياً، دون أن يلاحظك الآخرون أو يعجبوا بك، مع الحفاظ على دفئك وحيويتك الحقيقيين، فهما غالباً من نقاط قوتك. العلاج بالمخططات الذهنية (schema therapy) مناسب بشكل خاص هنا، لأنه يميز بين طريقة التعامل مع الخوف، أي محاولة لفت الأنظار، وبين المشاعر الهشة التي تحميها هذه الطريقة. ويتعامل مع الاثنين معاً بدلاً من محاولة كبت السلوك دون الاهتمام بالمشاعر التي وراءه.

إن وجدت نفسك في هذا الوصف، فالخطوة المفيدة التالية نادراً ما تكون محاولة تقليل تعبيرك عن مشاعرك. بل أن تتعرف، بدعم مختص، على ما يحدث بداخلك في نصف الثانية التي تسبق محاولتك لفت الأنظار، وما الذي تخشى حدوثه لو لم تفعل ذلك.

هل أنت مستعد لبدء رحلتك العلاجية؟

إن وجدت في هذا الكلام وصفًا قريبًا من تجربتك، فهذه عادةً إشارة إلى أن الحديث مع مختص يستحق المحاولة. الجلسة الأولى تسير على مهل، وسرّية بالكامل، ولا التزام عليك بالاستمرار بعدها.

هذه المقالة معلومات عامة كتبها معالج نفسي، وليست تشخيصًا ولا بديلًا عن تقييم فردي. إذا كنت في خطر مباشر، تواصل مع رقم الطوارئ في بلدك.

احجز جلسةدخول العملاء